الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

أهلا وسهلا بك إلى منتديات سيدتي العربية
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات، بالضغط هنا.كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.

يرجى وضع اعلانات المواقع والإعلانات التجارية في القسم المخصص لها من هنا منعاً للحذف


منتديات سيدتي العربية :: الأقسام الإسلامية :: منتدى القرآن الكريم وعلومة

شاطر

الخميس 24 ديسمبر 2015, 12:46 pm
رقم المشاركة : ( 1 )
عضو برونزي
عضو برونزي


إحصائيةالعضو

عدد المساهمات : 1700
تاريخ التسجيل : 23/12/2015
التقييم : 1391
السٌّمعَة : 0
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.arab-shbab.com
مُساهمةموضوع: التفسير المختصر - سورة البروج (85) لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي


التفسير المختصر - سورة البروج (85) لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة البروج، في قوله تعالى:


﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1)﴾

[سورة البروج]
فالأرض كما تعلمون تدور حول الشَّمْس في ثلاث مائة وخمْسة وستِّين يوماً ورُبْعاً، سُرعة الأرض حول الشَّمس ثلاثون كيلومتر في الثانِيَة فَمُنْذ أن أذَّنَ الظُّهْر مضى ثلاثون دقيقة، فإذا ثلاثون كيلومتر بالثانِية ضرْب ثلاثين ؛ ألف وثمان مائة كيلو، ضَرْب عشرة ثمانية عشرة ألف حوالي خمسين ألف كيلومتر نحن نمشي من أذان الظهر إلى الآن، من أذان الظُّهر وحتى هذه الساعة قطَعَتْ الأرض خمسين ألف كيلومتر وسرعتها ثلاثون كيلومتر في الثانِيَة في هذه الدَّوْرة أيها الإخوة تَمُرّ بِبُروج، وهناك اثنى عشَرة بُرجاً ؛ بُرج العقرب وبرج الأسد وبرج الجدي إلخ... أحد هذه البروج هو برْج العقرب، فيه نَجْمٌ أحمر اللَّون ومتألِّق صغير، قالوا: هذا النَّجْم يتَّسِعُ للأرض والشَّمْس مع المسافة بينهما ! والشَّمس تَكْبُرُ الأرض بِمِليون وثلاث مائة ألف مرَّة، وبين الأرض والشَّمْس مائة وخمسون كيلومتر، وهذا النَّجْم الضغير يتَّسِعُ للأرض والشَّمْس مع المسافة بينهما ! رئيس أكبر قاعدة فضاء أمريكِيَّة مُسْلم من مِصْر، سُئِل في لِقاء عن الشُّموس فقال: الشُّموس لها ثلاثة أطوار ؛ الطَّوْر الأحمر، والطَّوْر الأبيَض والطَّوْر الأَسْوَد، شَمْسُنا شَمْسٌ حَمْراء اللَّون في منتصف عُمْرها، ومضى على تألُّقِها خَمْسَة آلاف مليون سنة، ويُنْتَظَر في استِمرار تألُّقِها خمْسة آلاف مليون سنة ! وحينما تتجاوَزُ الشَّمْس الطَّوْر الأوَّل تنتقِلُ إلى الطَّوْر الثاني ويزيد حَجْمُها مراتٍ كثيرة، ثُمَّ تَنْكَمِشُ فجْأةً إلى واحد بالمائة، وتنقلِبُ أَشِعَّتُها من حمْراء إلى بيْضاء، وعِنْدئِذٍ تتضاعَفُ حرارتها أضْعافاً كثيرة، ثُمَّ تدْخل الشَّمْس في مرحلةٍ ثالثة وهي مرحلة السَّوَاد، تَصَوَّر متر كلغ مُكَعَّب من الحديد ضُغَطَ في ذَرَّة لا تُرى بالعَيْن ولا بِالمِجْهر، وحينها تدْخُل الشَّمْس في مرْحلة التَّكَدُّس فَتَنْكَمِشُ إلى حجْمٍ قليل جداً من شِدَّة الضَّغْط الذي تتحَمَّلُه وينعدِمُ خروج الشُّعاع منها، لأنَّ الشُّعاع كَتَفسير دقيق ذرات كهربائِيَّة تخرج من الجِسْم المُلْتَهِب، وهذا هو النور، هذا الثُّقْبُ الأسود مَقْبرة النُّجوم ولو أنَّ الأرض اقْتربَت من هذا الثُّقْب لأصْبَحَت في حجْم البَيْضَة مع الوَزْن نفْسه، وهذا أحدَث ما في العِلْم الشَّمْس الحَمْراء والشَّمْس البيْضاء والشَّمْس السَّوداء، وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوقدت النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة " مِن أين جاء هذا النبي صلى الله عليه وسلَّم بِهذا العِلْم ؟ هذا الحديث الذي ورد في سنن الترمذي وابن ماجه من دلائل النبي صلى الله عليه وسلَّم.
قال تعالى:
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1)﴾

[سورة البروج]
أحدُ البروج بُرْج العَقْرَب، وأحَدُ نُجومِه قَلْبُ العَقْرب، ويتَّسِعُ للشَّمْس والأرض والمسافة بينهما، لذلك أنت حينما ترى النُّجوم بيضاء في الليل، وليس حمْراء، البيضاء يعني في المرحلة الثانِيَة، والسوداء لا تراها أبداً، ثُقْب أسْوَد كالمَقْبَرَة، ثُمَّ إنَّ هذه الأرض - دَقِّقوا معي- في دَوْرَتِها حول الشَّمْس، المسار إهليلجي، وسرعة الأرض ثلاثون كيلومتر بالثانِيَة، وعندنا قانون الجاذِبِيَّة، الكُتَل تتجاذب بِحَسب حُجومها مضروباً بجداء المسافة بينهما وهذا القانون الذي اكْتَشَفَهُ نيوتن والأرض حينما تقترب من القطْر الأصغري، نحن عندنا القطْر أعظمي بالشِّكْل الإهليلجي، وعندنا القطر الأصغري، الأرض حينما تصل إلى القطر الأصغري تزيد من سرعَتِها وكأنَّها عاقلة، وينشأ من هذه الزِّيادة قُوَّة نابِذة تُكافىء القُوَّة الجاذِبَة، وإلا تنجذب الأرض إلى الشَّمْس فتتبَخَّر في ثانية واحِدَة ! لو بَقِيَت علىسرعتخا هنا لتَفَلَّتَت من جاذِبِيَّة الشَّمْس فَذَهَبَت في الفضاء الخارجي، وانْعَدَمَت أشِعَّةُ الشَّمْس في برودة مُميتة لمات على من في الأرض من أحْياء، والعلماء قالوا: لو أنَّها تفَلَّتَتْ وأرَدْنا أن نُعيدها إلى الشَّمْس كافْتِراض، قالوا: نربطها بِمِليون مليون حبْل فولاذي، قُطْر الحَبْل خَمْسة أمتار، هذه الحِبال تُزْرع على سَطح الأرض المُقابل للشَّمْس، فإذا زُرِعَت أصْبَحنا أمام غابة من الحِبال بين كُلّ حَبْلَيْن خمْس أمتار، وحينها ينعدم البناء والزِّراعة، وتنعدِمُ الشَّمْس أساساً وكُلٌّ من هذه الحِبال يتَحَمَّل قُوَّة شدّ مقدارها مليونين طنّ، فَقُوَّة جذْب الأرض للشَّمْس بِقُوَّة تُساوي مليون مليون طنّ، وَكُلّ هذه القُوَّة المُخيفة من أجل أن تحْرِف الأرض ثلاثة ملمتر كلّ ثانِيَة، قال تعالى:
﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)﴾

[سورة الرعد]
وقال تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا(41)﴾

[سورة فاطر]
معنى الزوال الانْحِراف ولو أنَّها اِنْحَرَفَت عن مسارها لَدَخَلَتْ في ظلام الكَوْن وفي بُرودَةٍ مُميتة قال تعالى:
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ(88)﴾

[سورة النمل]
قال تعالى
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3)﴾

(سورة البروج)

الذي خلق السماوات والأرض سوْفَ يجْمَعُنا جميعاً في يوم نُحاسب فيه وعلاقة السماء والبُروج والكواكب والمَجَرَّات والسُّرْعات العاليَة، هي بِعلاقة اليوم الآخر، فالذي خلق هذا الكون لم يَخْلُقْهُ عَبَثاً والذي خَلَق الإنسان لم يخْلُقْهُ سُداً، قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)﴾

[سورة القيامة]
وقال تعالى:
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(115)﴾

[سورة المؤمنون]
أيها الإخوة، إنَّ هذه الآيات الكَوْنِيَّة إذا لم نُفَكِّر فيها عطَّلْناها، وإذا عطَّلْناها عَطَّلْنا ثُلث القرآن، وإن لم نؤمن بالله تعالى من خِلال الكَوْن فكَيْف نؤمن به ؟ قال تعالى:
﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ(6)﴾

[سورة الجاثية]
الإيمان عن طريق الآيات الكونِيَّة.


﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7)﴾

[سورة البروج]
هؤلاء الذي حفروا أخْدوداً ووضَعوا فيه المؤمنين وأحْرقوهم، ما ذَنْب هؤلاء الذين أُلقوا في هذا الأخدود وحُرِقوا قال تعالى:
﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (Cool

[سورة البروج]
ليْسُوا قَتَلَة وليْسُوا مُجْرمين، وليسوا قُطاع طُرُق، ولكنَّ ذَنْبهم الوحيد هو أنّهم آمنوا بالله، لأنَّ المعركة بين الحقّ والباطل معركة قديمة وهي معركة مُسْتَمِرَّة ولن تنتهي إلا بِقِيام الساعة، فَلِذلك لِمن كان مع أهل الحقّ، وفي خَنْدق أهل الحق، وخَنْدق المؤمنين، وهنيئاً لِمَن ساهَمَ بِشَكْلٍ أو بآخر لِنَصْر دين الله، ونصْر المؤمنين، وهنيئاً لِمَن دافَع عن مؤمن، والوَيْل ثمّ الوَيْل ثم الوَيْل لِمَن كان في خنْدق المُعادي ولِمَن ساهَمَ بِشَكْل أو آخر في إزْعاج المؤمنين، وفي إطفاء نور الحق أو الطَّعْن بالدِّين، أوضَعْضَعة ثقَةِ الناس بالحقّ.
الحقيقة، لا بدّ أن تكون مع الحق أو الباطل، قال تعالى:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾

[سورة القصص]
هناك طريقان لا ثالث لهما، غن لم تَكُن على أحدهما فأنت على الآخر حَتْماً، والدليل الآية السابقة، وقال تعالى:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾

(سورة القصص)
فلِذلك القَضِيَّة اِثْنَيْنِيَّة لا تحْتَمِل حالاً ثالثة، هناك ولاء، وهناك براء فالمؤمن الصادق ولاؤه للدِّين والحق والمؤمنين، والخير والصادقين ويتبرَّأُ من الكُفار والفُجَّار والعُصاة ويَدْعَمُ المؤمنين بِحَرَكَتِه اليَوْمِيَّة ويُدافِعُ عنهم ويُعينهم، ويُقَدِّم لهم ما يسْتطيع، ولا يتعاطف مع الساخرين، ولا يُدافع عنهم، ولا يَدْعَمُهم لايُثْني عليهم، لا يوجد حلّ وَسَط، فالمنافق مُذَبْذَب لا مع هؤلاء، ولا مع هؤلاء، أما المؤمن فأمْرُهُ واضِح، والله تعالى قال:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(6)﴾

[سورة البقرة]

إلا أنَّ صِنْفاً آخر يقول كما قال تعالى:
﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ(Coolيُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(9)فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ(10)وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ(11)أَلَا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ(12)أَلَا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ(13)وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14)اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

[سورة البقرة]
لذلك القَضِيَّة حاسِمَة، إن لم تكن مع أهل الإيمان فأنت حَتْماً مع أهل الكفر، أما الذي يتوَهَّم أنَّه مع هؤلاء ومع هؤلاء، ويظنّ أنَّهُ ذَكِيًّا فهذا في الدَّرْك الأسْفل من النار، وهؤلاء هم المنافقون، والسَّبَب أنَّهم أعْلنوا شيئاً وأبْطَنوا شيئاً آخر، تركوا شيئاً وفعلوا شيئاً آخر، لأنَّهم غَشُّوا المؤمنين، فالإنسان الكافر والمُلْحِد، والفاجر لا أحد يقتدي به أما الذي يوهِمُ الناس أنَّه مؤمن، وأنَّه يفْعل فِعْل الكُفار فهذا إنسان غشَّاش لذلك هو في الدَّرْك الأسفل من النار، ولا يوجد إنسان يجمع بين الحالين، والمؤمن له لَوْنٌ واحد، ومن اسْتطاع ان يُرْضِيَ الناس كُلَّهم فَهُوَ منافق.
قال تعالى:
﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (Cool الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍشَهِيدٌ (9)﴾

[سورة البروج]
الآن المُؤَيِّد القانوني قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10)﴾

(سورة البروج)
فهذا المؤمن إن أرَدْتَ أن تُلْبِسَهُ تُهْمَةً هو بريءٌ منها، وإن أرَدْتَ أن تفْضَحَهُ ظلماً، وإن أرَدْتَ أن تُخيفه، هل تعرف من هو خَصْمُكَ ؟ الله جلَّ جلاله، والدليل خِطاب الله عز وجل لِزَوْجَتين من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:
﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ(4)﴾

[سورة التحريم]
هل يُعْقل أن نسْتَنْفِر القُوَّات البحرِيَّة والجَوِيَّة لامْرأتَيْن ؟ ما معنى هذه الآية ؟ الله تعالى يُخاطب زَوْجتَين، قال تعالى:
﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ(4)﴾

[سورة التحريم]
قُلْتُ لأحَدِهم: كُلّ هؤلاء العباد عِباد الله وعِياله، فإنْ أرَدْتَ أن تُؤْذِيَهم أو أن تبْتزَّ أموالهم، او أن تُخيفهم، فالله قد يبتليك بالسَّرطان أو خصْرة بالدِّماغ، وتشَمُّع بالكَبِد أو فَشَل كبدي، وأمراض تُعويك مثل الكلب أمراض الأورام الخبيثة بالأحْشاء لا تُحْتَمَل، وكُلُّ هؤلاء عباد الله وكُلُّهم خَلْقُه، فإذا أرَدتَ أن تُخيفَهم أو تبْتَزَّ أموالهم، أو أن تُؤْذِيَهم فإنَّ خَصْمَكَ هو الله، أحدهم يطوف حوْل الكعبة، وهو يقول: ربِّ اغفِرلي ذَنْبي ولا أظُنُّك تَفْعَلُ ! مشى وراءه رجل وقال: يا هذا ما أشدَّ كلامك ويأْسَكَ من رحْمة الله، فقال الآخر: ذَنْبي عظيم، فقال: وما هو ؟ فقال: كنتُ في حمْلَةِ قَمْعِ فِتْنة ولما قُمِعَت الفتنة أُبيحت لنا المدينة فَدَخَلْتُ أحد البيوت، ورأيْتُ فيه امْرأته وزوْجته وطِفْلَيْن، وقُلْتُ لامرأته اعْطني كُلَّ شيء ! فأعْطَتْهُ كلَّ ما عندها، فقَتَلْتُ وَلَدَها الأوَّل فلمَّا رأَتْني جاداًّ في قتْل الثاني أعْطَتني ذِرْعاً مُذْهَبَة،، فإذا على الذِّرْع بيتان من الشِّعْر: قرَأُتُهما فَوَقَعْتُ مَغْشِيًّا عليَّ:
إذا جار الأمير وحاجِباه وقاضي الأرض أسْرف في القضاء
فَوَيْلٌ ثمّ وَيْلٌ ثُمَّ وَيْلٌ لِقاضي الأرض من قاضي السماء

قبل أن تُفَكِّر في إذْيَةِ مؤمن، أو أن تُلْبِسَه تُهْمة، أو تُشَوِّه سُمْعَتَهُ أو تبْتَزَّ ماله فَهَل تعْلم من هو خَصْمُه ؟ من أمْرُكَ كُلُّهُ بِيَدِه ؟ الشريان بِيَدِه وكذا الكلية والخصْرة بالدِّماغ، وزَوْجتك بِيَده، فقَبْل أن تُؤْذي عليك أن تعُدَّ للمليون ؛ من هو الطرف الآخر، فمعنى هذه الآية أنّ أيَّ إنسان فكَّر أن يُؤْذي، عليه أن يعلم من هو الطرف الآخر ! هل تستطيع أن تؤذي شرْطِيًّا ؟ قد تكون أقوى منه الآن، إلا أنَّ هذا الأخير وراءه الدَّولة كلَّها، أليس كذلك ؟ تَعُدُّ للمليون كي تتكَلَّم معه، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10)﴾

[سورة البروج]
عليك أن تُدافع على المؤمنين، لذلك كُل إنسان يقتل مؤمناً مُتَعَمِّداً فجزاؤه جهنَّم خالداً فيها، وأن تكون أداة وَصْل، تُدافع عن المؤمنين وتُعينهم وتُطَمْئِنُهم، وأَدْخِل عليهم السرور، هذه هي مُهِمَّة المؤمن، عُدَّ للمليون قبل أن تُفَكِّر في إذْيَة المؤمن.
قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)﴾

[ سورة البروج ]
إذا الله تعالى بَطَش شيء يُحَيِّر العُقول، قال لي أحدهم مرض وبيت بالأُجرة، ودَعْوة أخلاق، وليس معه مال للدواء ناهيك أن يأكل، وأولاده عاقُّون ؛ مِن كُلّ الجِهات، وذكر لي أحدهم: عندي مرضين ؛ مرض القلب، ومرض المعدة، فدَوَاء المعِدَة يُؤذي القلب ودواء القلب يُؤذي المعِدَة ! إنَّ بطْش ربِّك لشَديد، وأحدهم دخل الحديد في رأسخ بِحادِث لأنَّه قبل ثلاثين يوما ظَلَم إنسان ظُلماً غير مَحْدود.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14)﴾

[ سورة البروج ]


﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾

[سورة البروج]

الغفور صِيغة مُبالغة، فهناك رجل غافِر، على وزْن فاعِل، وصيغة اسم الفاعل هذه من الفِعْل الثُّلاثي، غَفَرَ يغْفِرُ غافِر، أما إذا كان الإنسان شديد المغفرة وكثير المغفِرَة فإنَّنا نسْتخْدِم اسم فاعل مُبالغ به على وزْن فعول، ووزْن فعيل وكذا فاعول، وفَعِل، هناك ما يقرب من عَشْر صِيَغٍ لِمُبالغة اسم الفاعل ؛ مِن هذه الصِّيَغ وَزن فَعُول، قال تعالى:
﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14)﴾

[سورة البروج]
ما معنى أن يكون اسم الله تعالى مُبالَغاً في صيغته ؟ قال العلماء: إذا بولِغَ باسم الفاعل كاسمٍ من أسماء الله الحُسنى كان معنى ذلك أنّ الله تعالى شديد المَغْفِرَة ؛ لِمَعْنَيَيْن: نوْعاً وعدداً، عدداً فلو كان لك مليون ذَنْب، واسْتَغْفَرْتَ الله فإنَّك تجده غفَّاراً، أما نوعًا كما قَتَل تِسعاً وتِسْعون إنسانا، وسأل أحد الكَهَنَة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ألِيَ تَوْبَة ؟ فقال: لا، فأتَمَّ به المائة ! ثُمَّ أخْبَرَنا النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ لِهذا الإنسان مَغْفِرَة، فأوَّلاً تتَّسِعُ مغفرة الله تعالى لِكُلِّ ذَنْب ولِملايين الذُّنوب وتتَّسِعُ لأكبر ذَنْبٍ يَخْطُر بِبَالك شَرْط أن تتوب إليه إذا رجَعَ العبد العاصي إلى الله نادى مُنادٍ في السماوات والأرض أنْ هنئوا فلاناً فقد اصْطَلَح مع الله، والنُّقْطة الدقيقة أنَّ الله تعالى يقول:
﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾

[سورة الزمر]
ليس الخِطاب مُوَجَّهٌ إلى العُصاة وإنَّما لِمَن أسْرف في المَعْصِيَة، لا تقْنَطوا من رحْمة الله، قال تعالى:
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)﴾

[سورة الحجر]
وإذا قال العَبْد: يا ربّ، وهو راكِع، قال الله: لبَّيْك يا عَبْدي، وإذا قال: يا ربّ، وهو ساجِد قال الله له لبَّيْك يا عبدي، فإذا قال العَبْد يا ربّ وهو عاصٍ، قال الله له، لبَّيْك ثمَّ لبَّيْك ثمَّ لَبَّيْك ! هل تتصَوَّر أنَّ خالق الأكوان يفْرَحُ بِتَوْبَتِك ؟ للَّهُ أفْرح بِتَوْبة عبْده من الضال الواجِد، والعقيم الوالد، والظَّمْآن الوارِد، تصَوَّر أنَّه معك سَنَد بِخَمْسة مائة ألْف، وضاعَ منك، واْنتَبَه صاحِب السَّنَد، فقال لك: اِعْطنيه، وخُذ المَبْلَغ ! ثمّ بعد عناءٍ وَجَدَتْه، فكيف يكون فَرَحُك ؟! إنسان عقيم وغَنِيّ، ويتمنَّى ولَد فإذا امْرأتُه حامِل، كم فَرَحُهُ ؟ وإنسان على وَشَك الموت عطَشاً ورأى الماء ! للَّهُ أفْرح بِتَوْبة عبْده من الضال الواجِد، والعقيم الوالد، والظَّمْآن الوارِد وهذا الذي رَكِبَ ناقَتَهُ لِيَجْتاز الصَّحْراء، وعليها طعامه وشرابه، جلس لِيَسْتريح تحت ظِلّ النَّخْلة فلما أفاق لم يَجِد الناقَّة فأيْقَن بالهلاك، فَبَكى حتى أدْرَكَهُ النُّعاس فأفاق فإذا به رأى الناقة، ومن شِدَّة فرحِه قال: يا ربّ، أنا ربُّك وأنت عبْدي ! يقول عليه الصلاة والسلام: للَّه أفرحُ بِتَوْبة عبْده من ذلك البَدَوي من ناقته ! وإذا تاب العبْد توْبَةً نصوحا أنْسى الله حافِظَيْه، والملائكة كُلَّهم وبِقاع الأرض خطاياه وذُنوبَه، والصُّلح بِلَمْحَة وإذا تاب الإنسان - صَدِّقوني أيها الإخوة - يشْعُر كأنَّ ثِقْلاً كالجبل أُزيح عنه، واله عز وجل يُشْعِرُه أنَّهُ قَبِلَهُ، وعفى عنه، أما عَلِمْتَ يا مُعاذ أنَّ الإسلام يهْدِمُ ما كان قبله والهِجْرة تَهْدِمُ ما كان قبلها، وأنَّ الحجّ يهْدِمُ ما كان قبله، ومن وقَفَ في عرفات، ولم يغْلِب على ظَنِّه أنَّ الله تعالى قد غفَرَ له فلا حجَّ له، لا بدّ أنيغلبَ على ظَنِّك أنَّ الله تعالى قَبِلَك واجْتباك والتَّوبة بِيَدِكم أيها الإخوة وما عليك إلا أن تقول: يا ربّ، تُبْتُ إليك ومِن خِلال خِبْرَتي المًتواضِعَة في الدعوة إلى الله رُبْع قرْن أكثر من عشْرة أشْخاص قالوا بالحَرْف الواحِد: أُسْتاذ لا يوجد ذَنْب يُمْكن أن تتصَوَّره لم نفْعَلْهُ ! والله عز وجل قَبِلَهم، فهذه قَضَتْ عُمْرَها بالرَّقْص فتابتْ وتَحَجَّبَت وتنقَّبَت بِمِصْر، ومُديرة التلفزيون هناك تعرضلها كُلّ أسبوع فِيلْم نِكايَةً لِحِجابِها أنا أُعْطيكم أمثلة ناطِقة، مهما كان الذَّنْب كبير فإنَّ الله غفور، صيغة مُبالغة ؛ إنسانة تُتاجِر بِجِسْمِها تابَتْ فتاب الله عليها، وكذا قاتِل وزاني فالله تعالى ينتظرك، لو يعلَمُ المُعْرِضون انْتِظاري لهم، وشَوْقي إلى تَرْك معاصيهِم تقطَّقتعَت أوْصالهم من حُبّي ولماتوا شَوْقاً إليّ، هذه إرادَتي للمُعْرِضين فَكَيف بالمُقْبِلين ؟ أحدهم ناجى ربَّه فقال: يا ربّ، إذا كانت رَحْمتُك ولُطْفُك بِمَن قال: أنا ربُّكم الأعلى ماذا قال فرعون لموسى قال تعالى:
﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى(17)﴾

[سورة النازعات]
فَكَيْفَ رَحْمتك بِمَن قال: سبحان ربِّيَ الأعلى ؟! إذا كانتْ رحْمتك بِمَن قال: ما أرى لكم من إلهٍ غيري فَكَيْفَ رحْمتك بِمَن قال: لا إله إلا الله فمادام القلب ينبض فالنَّجاة حاصِلَة، ومادام نُمُوّ الخلايا طبيعي فباب التوبة مَفْتوح، ما دام الدم فيه سُيولة فباب التوبة مَفْتوح، فإذا أصبح بالدَّم جَلطة أو ضاق الشريان أو نَمَتْ الخلايا عَشْوائِيًا، كانت المُشْكلة، لذلك أيها الإخوة، عليكم باغْتِنام الصِّحَة، واغْتَنِم خَمْسًا قبل خَمْس، شبابك قبل هَرَمِك، وصِحَّتك قبل سَقَمِك، وفراغك قبل شُغْلِك، وحياتك قبل موتِك، والتوبة تنْعَقِدُ بِكَلِمة واحِدة، يا ربِّ تُبْتُ إليك، ويقول سبحانه وتعالى: وأنا يا عبْدي قَبِلْتُ قال تعالى:
﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾

[سورة الزمر]
والله عز وجل يُغَطِّي لك الماضي كُلَّهُ بالمَغْفِرَة والمُسْتَقْبل بالطُمأنينة فالماضي مَغْفورةٌ ذُنوبه والمُسْتَقْبل مضْمونَةٌ حوادِثَهُ، قال تعالى:
﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)﴾

[سورة البقرة]
والله تعالى ما أمرنا أن نسْتَغْفِرَهُ إلا لِيَسْتغْفِرَ لنا، وما أمَرَنا أنْ نَدْعُوَهُ إلا لِيَسْتجيب لنا، وما أمَرَنا أن نسْتعين به ؛ إياك نعبد وإياك نسْتعين إلا لِيُعيننا ووَسِعَت رحْمة الله كُلَّ شيء.
قالوا: مَرَّةً دعا سيّدنا موسى الله تعالى بِالسُّقْيا، حين قحَطَت الأرض وجفَّتْ، فناجى ربَُّ بالسُّقْيا، فقال الله: يا موسى إنَّ فيكم عاصِيًا ! فَغَضِبَ سيِّدُنا موسى وقال لِقَوْمه: من كان فيكم عاصِيًا فلْيُغادِرْنا، ثُمَّ هَطَلَت الأمْطار ولم يُغادِر أحد المَجْلس ! فسأل موسى ربَّه: من هذا العاصي يا ربّ ؟ فقال له: عَجَبًا لك يا موسى ‍، أسْتُرُه وهو عاصٍ وأفْضَحُهُ وهو تائِب ! والله تعالى يسْتُر وشُعور التائب لا يوصف ولو جاء الموت، قال تعالى:
﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(157)﴾

[سورة آل عمران]
إلا أنَّ العِبْرة أن نموت على الإيمان وعلى الطاعة، لا أن نموت ونحن على الهوائي المُقَعَّر ! وقد حدث هذا، فالعِبْرة أن يراك تائِبًا ومُنيباً وطائِعاً وأن يراك مُحِبًا، والتوبة لها ثلاثة شُروط: عِلْمٌ وحال وعمَل فإذا أنت لم تَحْضُر مَجْلِس العِلْم، كيف تعرف أنَّك مُذْنِبٌ ؟! إذا كان الواحد ضغْطه ثمانية عشر فاصل اثنى عشر ! مُهَدَّد بِفَقْد البصر، وبِجَلْطة في الدِّماغ وبأمراض وبيلة، فكيف يُعالِج هذه الأمراض إن لم يعْلم أنَّ ضَغْطه مُرْتَفِع ؟! والضَّغْط ليس له أعراض وقلَّما يكون له أعْراض فأنت تُعالِجُ ضَغْطك إذا عَلِمْتَ أنّه مُرتفِع، وكذا دروس العِلْم ؛ هذه البِضاعة حرام، وهذا الكَسْب غير مَشْروع، ووَضْعُ زوْجتِك غير صحيح، وهذا البيْت مُغْتَصب، فأنت كيف تعرف الحلال والحرام إن لم تتعَلَّم أحكام الفِقْه وكتاب الله وسُنَّة رسول الله، فالتوبة عِلْم، فإذا كان هناك عِلْم ينْشأ النَّدَم والحال، وإذا كان هناك حال كانتهناك ثلاثة أعْمال: الماضي بالإصْلاح والحاضِر بالإقْلاع، والمُسْتَقْبل بالعَزيمة، وحاجة الناس إلى العِلْم كحاجَتِهم إلى الهواء، والإمام مالك يقول: حاجة الناس إلى العِلْم أشَدُّ من حاجتِهم إلى الأكل والشراب، لأنّك أنت تأكل في اليوم مرَّتَين أو ثلاثة، أما في الطريق فهناك مائة امرأة ! فإن لم تغضّ بصَرَك وَقَعْت في مُشْكلة، وإن لم تَضْبِط لِسانَكَ وَقَعْتَ في الغيبة والنَّميمة، وسُخْرِيَة والعين والفم واليد، فإذا لم يعرف الإنسان الشَّرْع، كيف يتوب إلى ذَنْبِهِ وكآخِر فِكْرة أعْتَقِد أنّ أربعاً أو خمْسة آيات، قال تعالى:
﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(119)﴾

[سورة النحل]
افْتح المُعْجم في كلمة بعدِها، تجِد أنَّ الله غفور رحيم ولكن بِشَرْط، وهو بعد التوبة والإيمان والعَمَل الصالِح، تابوا فتاب عليهم، وهناك تاب الله عليهم لِيَتوبوا ؛ شيءٌ يُحَيِّر ! فَتَوْبَةُ الله مِن قبل أم مِن بعد ؟ قال: تابوا فتاب الله عليهم، أي تابوا فَقَبِلَ الله توْبَتَهم أما تب الله عليهم أي ساق لهم من الشدائِد ما يَحْمِلُهم بها على التوبة، وشُعور التوبة شُعور لا يُقَدَّر والآية هذه واضِحَة والصُّلْح بِلَمْحَة والله غفور رحيم، قال تعالى:
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)﴾

[سورة الحجر]


﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾

[سورة البروج]
الوَدود، أي أنَّ أفعاله سبحانه وتعالى فيها مَوَدَّةٌ لِخَلْقِه، خَلَقَكَ في أحْسَن تَقْويم، ومنَحَكَ عَيْنَيْن لِتَرى بهما البُعْد الثالث فلو أنَّها كانت عينًا واحِدَة لرأيْتَ بُعْدَيْن فقط، ومنَحَك أُذُنَيْن لِتعْرِفَ بهما جِهَة الصَّوْت ولو كانت أُذُنًا واحِدَة لما عَرِفْت جِهَة الصَّوْت، ومنَحَك جِهاز التوازن فلو نظَرْت إلى بعض المَحَلَّات التِّجارِيَّة وفيها أشْخاص مِن الشَّمْع تُسْتَخْدم لِتُوضَع عليها الأجْهزة لها قاعِدَة عريضة جداً تزيد عن سبعين سنتمتر، لأنَّ هذا الإنسان من أجل أن يبقى واقفاً لا بدّ من قاعِدَة اسْتِناد لذلك لابدّ له من قَدَمَيْن كَخُفَّي الجَمَل، والإنسان إذا سار في الطِّين وَعَلِقَ به يُصْبِحُ المَشْيُ شاقًا فهذه القَدَم اللَّطيفة، ما سِرُّ انْتِصاب قامَتِك مع قاعِدَة اسْتِناد صغيرة جداً بِدليل أنّ المَيِّت لا يُمْكِن أن يقوم، هل تستطيع أن تُوقِفَ ميِّتًا ؟ مُستحيل، فهذا بِفَضْل جِهاز توازن أودِع في الأذن الوُسْطى، وهذا الجِهاز ثلاث قَنَوات، فيها سائل وأشْعار والإنسان إذا مال قليلاً بِحُكْم بقاء السائل مُسْتوي رغم الملَيان، فهذا السائل يصِل إلى الأشْعار فلولا هذا الجهاز ما أمْكن أن يمْشي على قَدَمَيْه إطْلاقاً، ولا أمْكَنَهُ أن يرْكَب درَّاجة، راكِب الدراجة، هل تستطيع أن تُبقيها واقفة إلا بِفَضْل جِهاز التوازن، فالإنسان كرَّمَه الله تعالى أعظمَ تَكْريم، ولو لم يكن فيها عضلات، لما أمْكَنَك تفريغُها ولاحْتَجْتَ إلى أُنبوب تَهْوِيَة، بهذه العَضلات تُفَرَّغ بِثَواني معدودات ثمَّ لولا هذه المثانة للَزِمَك كُلّ عشرين ثانِيَة أن تنزِل نقطة بول، ولاحتاج الإنسان إلى فُوَط ، وهذا شيء مُزْعِج ؛ رائِحَة، فالله تعالى كرَّمَك وعَزَّزَك من خِلال المثاني ومن خِلال هذه العضلة العجيبة، والعَضلَة القابِضَة، وهي في أشَدِّ حالات القَبْض أنت مُرْتاح، فلو كنت تحتاج إلى شَدِّ دائِم لأصْبَحَت الحياة شاقَّة، فهاتان العضلتان التي تُحْدِثان الغائِط والبَوْل، وهي في أشَدِّ حالات التَقَلُّص تكون مُرْتاحاً، فهذا تَكْريم، والله تعالى جعل هذا الرأْس يدور هكذا، وهذه عَمَلِيَّة مُعَقَّدة جعل هذا الرُّسغ وهذا الإبهام وهذا المِفْصَل، فلو فَكَّر الإنسان في جِسْمِهِ لَعَلِمَ قوله تعالى:
﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14)﴾

[سورة البروج]
مَنَحَك الطعام والشراب وأنواع مُنَوَّعة من الطعام والشراب، ومُبَرْمَجَة كرز ثمَّ التُّفاح ثمَّ الدراق ؛ كُلُّ هذا بِبَرْنامج لطيف وخُضراوات تنْضج اتِّباعاً خِلال شَهْرين، وجعل لك الهواء، وهو ينثر الضَّوء، فبِالقَمَر إما أن يكون هناك أشِعَّة شَمْس أو ظلام دامِس، أما الهواء فهو يجعل المنطقة لا شَمْسِيَّة ولا ظلامِيَّة، وجعل لك الهواء وسيط بينك وبين الآخرين، فلو لا الهواء لما كان هناك كلام ولا صوْت، وذَكَرْتُ البارحة أنَّ هذه المَوْجَة الصَّوْتِيَة تتخامَد، ولو أنَّها لا تتخامَد لكانتْ أصوات البِحار وأمواجها في كُلِّ مكان ! وأصْوات الانْفِجارات في كُلِّ مكان، وأصْوات المعامِل في كُلِّ مكان، لأنّ المَوْجة الكَهْرطيسِيَّة لا تتخامد، فقد أرْسَلوا للمُشْتري مَرْكبة بِأعلى سُرْعة صَنَعها الإنسان أربعين ألف ميل في الساعة أي ستِّين كيلو متر في الساعة ! هذه بَقِيَتْ تَمْشي في الفضاء الخارِجي سِتّ سنوات حتى وَصَلَت إلى كَوْكب ضِمْن المجموعة الشَّمْسِيَّة ؛ مِن هذه الكوكب المُشْتري أُرْسِلَن إشارات وصُوَر كيف أُرْسِلَت هذه الإشارات والصُّوَر ؟ عن طريق مَوْجَة كَهْرطيسِيَّة أما الصَّوْتِيَّة فَتَتَخامَد، فلو أنَّها لا تتخامَد فالحياة على وَجْه الأرض لا تُطاق، أحْياناً تكون في بُستان وفي نُزْهة ويكون مُحَرِّك الماء مُشْعَلاً يُفْسِدُ عليك الاسْتِمْتاع بالطبيعة، فهذه السُّحب التي تَزِن ملايين الأطْنان بل آلاف ملايين الأطْنان ؛ يقول لك: مُنْخَفَض جَوِّي يُغَطِّي القُطْر كُلَّه ! وإذا رَكِب الإنسان الطائرة يعرِفُ قيمة هذه الآية، يجد فوق السَّحاب جِبال وأكَمَات سُحُبِيَّة ووِدْيان، قال تعالى:
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ(88)﴾

[سورة النمل]
بلا ضجيج، والذي عنده مركبة إذا صَوْت المُحَرِّك يتشَوَّش وهذه الأرض التي تَمْشي ثلاثين كيلو متر في الثانِيَة ألا تُبْدي صَوْتاً ؟ سُكون واسْتِقْرار تام ! قال تعالى:
﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61)﴾

[سورة النمل]

فالأرض وحَجْم الأرض، والشَّمْس والقمر والفُصول والليل والنَّهار والنباتات والأطْيار، والخُضار والفواكِه، وهذا الماء العَذْب، قال تعالى:
﴿ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ(70)﴾

[سورة الواقعة]
وقال تعالى:
﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)﴾

[سورة الحجر]
قال لي أحد إخواننا بِعِين الفيجة: كُلّ ثانِيَة أربع وعشرون متر مُكَعَّب هذه سُقْيا دِمَشق، من سَخَّرَها ؟ وأين حُدود هذا النَّبْع ؟ نصف لبنان فوق حوْض الفيجة، فَتْحَتُه في عين الفيجة أما امْتِداده إلى حِمْص، ما قيمة هذه البَلْدة من دون هذا الماء العَذْب الفُرات، فهذه مَوَدَّة من الله عز وجل، ثمَّ أنت لك زوْجة بالبَيْت، وهي مثلك تفرح وتتألَّم وتشْعر وتُشاركك متاعِبك وأفراحك، ومُؤْنِسَة ومُمْتِعة، وجاءك منها ولَد يمْلأ البيت فرَحًا وأنْساً أليس هذه مَوَدَّة من الله تعالى، وبعدها صَوَّرَك في أحْسن صورة وجعل لك قِوام ورأس وشَعْر، قال ﴿ تعالى: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(Coolوَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9)﴾

[سورة البلد]
فإذا وُلِدَ الطِّفل، من الذي عَلَّمَهُ مصُّ الثَّدْي ؟ عَمَلِيَّة مُعَقَّدة جدًا لو أنَّ الطِّفْل لا يعلم كيفِيَّة مَصِّه لِثَدْي أُمِّه، كيف يفْعل أبوه ؟ يُحْكِمُ الإغلاق ويَسْحب الحليب، ومن جعل أوَّل الأربع والعشرين ساعة صَمْغَة فهذا الطِّفل يولد وفيه أنابيب مملوءة شَحمًا، فلا بدّ في الأربع والعشرين ساعة لا يكون هناك حليب، وإنَّما مادَّة مُزيلة للشَّحْم يأخذ صَمْغة ويُخْرج لون أسْوَد، مَن صَمَّم هذا التَّصْميم ؟ قال تعالى:
﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(20)﴾

[سورة عبس]
ومن الذي أعطى أمْر لِحَوْض المرأة أن يتوسَّع ؟ ومن أعطى أمْر للطِّفْل أن ينقلِب ؟ ومن أعطى أمْر للغِشاء يتمزَّق ؟ وأمْر للرَّحِم أن يتقلَّص تقلُّصًا مُتَزَامِنًا وبِلُطْف، كم بين الطَّلْقتين ؟ ثلث ساعة ثمَّ خمسة عشرة دقيقة ثم أربعة عشر ثمّ خمْسة عشر، ثمَّ تتسارَع الطَّلَقات ضَغْط عضلات لطيف، فإذا خَرَجَ الجنين ينقبِض الرَّحِم انْقِباض شديد جدًا، ويُصْبح الرَّحِم مثل الصَّخْر، ولو لم يكن كذلك لماتَتْ المرأة من النَّزيف ! ولمّا ينزل الولد يقطع مائة ألف شريان كُلُّها مَفْتوحة ويأتي الرَّحِم فَيَنْقَبِض انْقِباضاً شديداً، ويمْنَع نزيف الدَّم، ولو كان تقَلُّص الطَّلْق شديداً، وتقَلُّص الرَّحِم لَيِّنًا، لماتت الأم وولدها، قال تعالى:
﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(20)ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ(21)ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ(22)كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ(23)﴾

[سورة عبس]
هذا هو معنى ودود هل الصَّنوبر أساسي في حياتنا ؟ وهل الفلفل أساسي ؟ وَكُلّ أنواع الخضر والفواكه ؛ كُلّ هذه ليْسَت ؟ أساسِيَّة، إنَّما الحليب والقمْح هما الأساسيَّان، فلماذا توجد كل هذه الأنواع من الخُضر والفواكه، ولماذا يوجد ثلاثون نوعًا من العِنب ؟ وحَدَّثني جماعة من الدكاترة أنَّ خمساً وأربعون ألف نوع من القَمْح ! وكذا الشعير، والحُمَص والعدس وكذا الأطيار والأسماك، فأنت ضِمْن نِعَم الله، لذلك قوله تعالى:
﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14)﴾

[سورة البروج]
توَدَّد إليك، فلذلك الإنسان غافل عن الله، وكان عليه أن يشْكره أذكر مَرَّةً كُنَّا في صلاة جنازة، وكان لي صديق كنت أنا وهو على مقعد الدِّراسة وتسلَّم منْصب رفيع جدا، وكان عمره ستِّين سنة، دخَلْنا لِنُشَيِّع جنازة أحد إخواننا فلم يدخل معنا ! تَعَجَّبْنا، هل أنت أكبر من أن تُصَلِّي ؟ من منحك نِعْمة الوُجود والإمداد ؟ ألا يسْتَحِقّ هذا أن تُصَلِّي له ؟ لذلك علينا أن نلحق بالتوبة النصوح قال تعالى:
﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15)﴾

الكون له، دقِّق الآن في قوله تعالى:
﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾

[سورة البروج]
الأحداث قال تعالى:
﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

[سورة آل عمران]
قدر ما كان الإنسان قويّ فلا يمكنه أن يكون فعَّال لما يريد، لو أصابه مرض عُضال فهل هو فعَّال لما يريد ؟ لو اجْتَمَعنا وقرَّرنا أن تنزل الأمطار، فهل نستطيع أن نقول: قرَّر المجلس إنزال الأمطار ! فهل يتحقَّق هذا ؟! مرَّةً كنت عند طبيب قلب فجاءهُ هاتف، ويبدو أنَّه غنِيّ جدًا، فقال له: أيّ مكان بالعالم نبعثه، وأيّ رقم يُكَلِّف ندْفَعُهُ ! فقال له الطبيب: والله لا يوجد أمَل ! السَّرَطان بِدَرَجَتِهِ الخامِسَة ! فَشَعَرْتُ حينها أنَّ الإنسان ضعيف ومَقْهور، من الفعَّال لِما يريد ؟ الله وحْدَهُ فإذا كنت مع الفعَّال لِما يريد أحْسن من أن تكون مع إنسان لا يفْعل ما يريد، يريد مليون قَضِيَّة فلا يَتَحَقَّق منها شيء، كلمة فعَّال لما يريد معناه: الله تعالى قادِر؛ كُنْ فيَكون ! فإذا كنت مع من يقول: كن فيكون ! فأنت من أسْعد الناس، وإذا كنت مع عَبْدٍ ضعيف، إذا بعَثَ لك أحد الأقرباء برْقِيَّة عن وفاة شَخْص ؟ فهل تستطيع أن تمْنَعَ عنه الموت ؟ أو أن تمْنَعَ عنه المرض، إذاً كما قال تعالى:
﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾

[سورة البروج]
هو القاهر وهو الكبير والعظيم، وإذا أعْطى أدْهَش، وإذا حاسب أدْهَش، زُرْتُ أحد التُّجار في معمله، وهو نائِم على طاولة الخياطة ويأكل من علبة سردين ! فقال: لي كان عندي ثلاثة مصانِع، وثمانين عامِل، وثلاثة سيَّارات، للنُّزْهة وللبلد وللعَمَل خَفْ من الذي إذا أخذَ أدْهَش، قال له: يا معاذ ما حقُّ الله على عِباده ؟ قال: أي يعْبُدوه قال: فما حقُّ العباد على الله إذا عبَدوه ؟ قال: أن لا يُعَذِّبَهم ! فالله منَحَكَ حقٌّ عليه، وقال لك: طالِبْني فيه وهذا أعظم حقّ ؛ قال تعالى:
﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) ﴾

[سورة البروج]
أنت تُريد وأنا أُريد فإذا سَلَّمْت لي فيما أريد كَفَيْتًُك ما تريد وإذا لم تُسَلِّم لي فيما أريد أتْعَبْتُك فيما تريد ثمَّ لا يكون إلا ما أُريد، ماذا فعلوا إخْوة يوسف ؟ أرادوا به كَيْدًا وأرادوا أن يقْتلوه الله تعالى قال:
﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21)﴾

[سورة يوسف]
جعلهُ عزيز مصر، وجعل إخوته تحت إمْرتِهِ، قالت: امْرأة رأتْهُ حينما كان عَبْداً في القصْر، ثمَّ كيف صار عزيز مِصر، قالت: سبحان مَن جَعَل العبيد مُلوكًا لِطاعَتِه، وسبحان مَن جَعَل المُلوك عبيدًا لِمَعْصِيَتِه، قال أحدهم: ألْقَتْني أمريكا خارِج إيران كما تُلقى الفأرة المَيِّتَة خارج المنزل ! فالله يقْهَر عِباده، وأنت كُنْ مع القويّ والعادِل والرحيم، وكن في خِدْمة عبيده، والسَّعْي لهم.





الموضوع الأصلي : التفسير المختصر - سورة البروج (85) لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي // المصدر : منتديات سيدتي العربية


توقيع : نور الهدى






الــرد الســـريـع
..




تعليمات المشاركة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


ضع إعلانك هناضع إعلانك هناضع إعلانك هناضع إعلانك هناضع إعلانك هناضع إعلانك هناضع إعلانك هنا





جميع الحقوق محفوظة © 2018 منتديات سيدتي العربية

www.arab-sedty.com



Top